سوء الامتصاص (malapsorption)، معرّف على أنه حالة من الاضطراب في عملية هضم وامتصاص المواد الغذائية أو مركباتها في الأمعاء.
يحدث خلال هذه العملية:
- تغيير بنيوي وكيميائي لمكونات الغذاء في تجويف الأمعاء، على سطح الغشاء المخاطي، أو في خلايا النسيج الطلاني – الخلايا الظهارية (epithelium) – الذي يغطي الغشاء المخاطي. هذا التغيير يتيح الامتصاص.
- نقل المواد الغذائية من التجويف، عبر النسيج الطلاني، إلى الدورة الدموية والجهاز الليمفاوي.
من أجل فهم معنى سوء امتصاص المواد الغذائية، من المهم التعرف على مراحل عملية الهضم العينية لمواد الغذائية الأساسية.
الدهون (lipids)
تشارك في عملية تفكيك الدهون وتحليلها أملاح المرارة وإنزيمات البنكرياس (الليباز - lipase والـ "كوليباز" - Colipase).
بعد ذلك، تعود المواد الناتجة عن هذا التفكيك، وهي الأحماض الدهنية، للتوحد من جديد على شكل دهون داخل خلايا النسيج الطلائي (الخلايا الظهارية)، ومن ثم تترك الخلية وتنتقل إلى الجهاز الليمفاوي وإلى الدورة الدموية بواسطة بروتينات ناقلة.
تعتبر عملية امتصاص الدهون لدى الاطفال والبالغين عملية ناجعة جدا، حيث يتم امتصاص نحو (95%) من الدهون الذي يدخل الجسم. إلا أنّ هذه النسبة تكون أقل لدى الأطفال في الأشهر الأولى من حياتهم.
من الممكن أن يحصل سوء امتصاص للدهون بسبب إحدى المواد المشاركة في عملية الهضم والامتصاص:
نقص في إنزيمات الليباز والكوليباز، نقص في أملاح المرارة بسبب أمراض الكبد، انسداد قنوات المرارة أو خلل في امتصاص أملاح المرارة، ضرر في الغشاء المخاطي للأمعاء أو خلل في أداء الخلايا الظهارية التي تغطي الغشاء المخاطي. أما انعدام القدرة على امتصاص المواد الدهنية بشكل تام، فهي حالة نادرة جدا، وعادة ما تكون مصاحبة بسوء امتصاص المواد الغذائية الأساسية الأخرى.
البراز الدُّهني (Steatorrhea) – يجسد حالة سوء امتصاص شديدة للبراز الدهني. في هذه الحالة، تظهر في البراز، نحو (50%) من كمية الدهون التي تدخل الجسم عن طريق الطعام، وهي تظهر في الأساس بصورة نقص في إنزيمات البنكرياس وبشكل أقل في أمراض الأمعاء.
الكربوهيدرات (النشويات) (carbohydrates)
الأميلازات (Amylases) هي إنزيمات هاضمة للنشويات، يتم افرازها بواسطة الغدد اللعابية والبنكرياس, وتساعد في عملية تفكيك وتحليل المواد السّكرية. أما التفكيك الإضافي للسكر وامتصاصه فيتم على سطح خلايا النسيج الطلاني الذي يغطي الغشاء المخاطي للأمعاء بواسطة إنزيمات موجودة على الحواف الفرشاتية (Brush border) التي تغطي الخلايا الظهارية (الطلانية) في الأمعاء. هذه الإنزيمات: سوكَّراز (sucrase)، إيزوملتوز (Isomaltose)، الجلوكوأميلاز (Glucoamylase)، واللاكتوز (lactose)، هي المسؤولة عن هضم النشويات في الغشاء المخاطي. أما عملية ولوج المواد الناتجة عن الهضم إلى داخل الخلايا الظهارية، فتحتاج لمساعدة بروتينات ناقلة. من أجل عمل هذه الناقلات، هنالك حاجة للطاقة ولوجود الاملاح، كالصوديوم. ويعتبر وجود الاملاح ضروريا في هذه الحالة نظرا لأن التغييرات الكهروكيميائية تلعب دورا هاما في عملية الامتصاص.
قد يكون سوء امتصاص النشويات محصورا بانواع معينة من النشويات. ومن الممكن أن يظهر كخلل مولود أو كخلل مكتسب. يمكن ان يؤدي قصور البنكرياس أو نقص بإنزيماتة أو بالبروتينات الناقلة، لسوء امتصاص.
الأعراض المرضية المركزية التي تشير لسوء امتصاص النشويات: انتفاخ المعدة وإسهال يتعلق حجمه بكمية النشويات التي تم تناولها، ويكون نسيجه سائلا وحمضيا. وسيؤدي الامتناع عن تناول النشويات الى وقف الإسهال وظهور أعراض أخرى.
البروتينات (protines)
يتم تحليل البروتينات بمساعدة إنزيمات البنكرياس - إنزيم البيبتيداز (peptidase) والبروتياز (protease).
تبدأ عملية الهضم والتحليل في المعدة وتستكملها إنزيمات بنكرياسية – التريبسين (trypsin)، الكيموتريبسين (Chymotrypsin) والإيلاستاز (Elastase). كذلك، هنالك إنزيمات هاضمة للبروتينات خاصة بالخلايا الظهارية.
من الممكن أن يكون سوء امتصاص البروتينات ناتجا عن خلل في عمل البنكرياس أو الخلايا الظهارية. في غالبية الحالات لا يكون سوء الامتصاص محصورا بأنواع معينة من البروتينات، وإنما يكون جزء من ظاهرة سوء امتصاص للمواد الغذائية الأخرى. أما العلامة المرضية التي تشير لسوء امتصاص البروتينات فهي إسهال ذو رائحة كريهة، نقص الألبومين (albumin) في مصل الدم، والانتفاخات (الوذمة).
سوء الامتصاص، وسوء التغذية (malabsorption and malnutrition)
يسبب سوء امتصاص المواد الغذائية تغيرات غذائية على عدة مستويات. فإصابة الأولاد الصغار والرضع ستظهر مبكرا، نوعا ما، بينما يتأخر ظهور علامات الإصابة نسبيا لدى الأولاد الكبار أو البالغين.
يتعلق التغيّر المرضي بشدّة الإصابة بسوء الامتصاص، وطبعا بالقدرة على التعويض، أي سد النقص، من خلال تناول الطعام ومكملاته.
لدى الأطفال، تكون وتيرة زيادة الوزن، وبعدها النمو، علامات واضحة على الإصابة بسوء الامتصاص. فظواهر من قبيل الميل للنزف، تخلخل العظام، فقر الدم، والاضطرابات العصبية، عادة ما تكون مصاحبة لأنواع معينة من سوء التغذية.
أعراض سوء الإمتصاص
الاعراض التي تستدعي التوجه لاستيضاح حالات سوء الامتصاص تشمل:
غالبية المرضى يتوجهون لاستيضاح حالة الإصابة بسوء امتصاص المواد الغذائية في أعقاب الإصابة بإسهال مزمن.
يعتبر الأمر مزمنا إذا استمر لفترة تزيد عن 14 يوما.
من الأسباب الأخرى التي قد تدفع باتجاه الاستشارة الطبية، نقص الوزن واضطرابات النمو لدى الأطفال، إضافة للضعف وفقر الدم في كل الأعمار.
تشخيص سوء الإمتصاص
يتم إخضاع المريض الذي يسود الشك بإصابته بسوء امتصاص المواد الغذائية، لعدة فحوصات يتم تقسيمها الى ثلاث مراحل وهي:
المرحلة الاولى
إلى فحص أولي يتضمن اختبارات تشير إلى نقص في العناصر الغذائية.
يشمل هذا الاستيضاح الطبي:
- معادلة خلايا الدم
- فحص العناصر البيوكيميائية في مصل الدم، مثل مستويات البروتينات والزلال، الكوليسترول، الكالسيوم، الحديد والفيتامينات كحامض الفوليك وفيتامين (B12)، فيتامين (A)، والبروثرومبين (prothrombin) الذي يمثل مستويات الفيتامين (K).
المرحلة الثانية
في المرحلة الثانية من الإستفسار الطبي، وخلال البحث عن الحالة المرضية العينية، من الممكن إجراء فحص لأداء الكبد وتحديد تركيز الغلوبينات المناعية (immunoglobulins)، فحوص مصلية بحثا عن مضادات الغليادين (Gliadin)، ناقلات الغليتامين (Transglutaminases)، ومضادات غمد الليف العضلي (endomysium - هذه المضادات تميز الإصابة بمرض الزلاق – السيلياك)، اختبار التعرق أو الاختبار الجيني من أجل تشخيص الإصابة بالتليف الكيسي (CF)، اختبارات التنفس واختبار نفث الهيدروجين بعد إجراء إختبار تحمل الكربوهيدرات (Carbohydrate tolerance test) لتشخيص سوء امتصاص المواد السكرية، وكذلك جمع عينات من البراز من أجل قياس مستويات إفراز المواد الدهنية.
المرحلة الثالثة
في المرحلة الثالثة، يتم إجراء فحوصات باضعة.
يمكن أخذ عينة من الغشاء المخاطي للأمعاء الدقيقة بواسطة التنظير الداخلي (endoscopy)، وفحصها مجهرياً.
كذلك، يمكن شفط سائل التجويف المعوي من أجل فحص وجود طفيليات، أو مستويات مرتفعة من بكتيريا وإنزيمات البنكرياس.
علاج سوء الإمتصاص
تتضمن أهداف علاج سوء الامتصاص ما يلي:
- تعويض المواد الغذائية التي يثبت نقصها خلال إجراء الفحوص.
- الاهتمام، قدر الإمكان، بعلاج المرض أو المسبب الذي يؤدي لسوء الامتصاص.
نظرا لأنه في غالبية حالات الإصابة بسوء امتصاص المواد الغذائية قد يتم اكتشاف نواقص أخرى، فإنه يجب أن يتم إجراء اختبارات واستيضاحات شاملة إن أمكن الأمر، وبناء عليه، إضافة العناصر الغذائية الناقصة من خلال عقاقير مناسبة أو أغذية مدعمة بهذه المواد.
من شان علاج مسبب المرض أن يؤدي للشفاء التام، أو على الأقل تخفيف حدة سوء الامتصاص.
سوء الامتصاص هو اضطراب في قدرة الأمعاء على هضم وامتصاص العناصر الغذائية أو مركباتها.
تتضمن عملية الهضم والامتصاص مرحلتين رئيسيتين:
- تحويل بنيوي وكيميائي لمكونات الطعام في تجويف الأمعاء، على سطح الغشاء المخاطي، أو داخل الخلايا الظهارية. تهيئ هذه التحولات المواد الغذائية للامتصاص.
- نقل هذه المواد من تجويف الأمعاء عبر الخلايا الظهارية إلى الدورة الدموية والجهاز اللمفاوي.
لفهم آلية سوء الامتصاص، من المهم التعرف على مراحل هضم وامتصاص العناصر الغذائية الرئيسية.
الدهون (Lipids)
تتطلب عملية هضم الدهون مشاركة أملاح المرارة وإنزيمات البنكرياس (الليباز والكوليباز).
تتحد الأحماض الدهنية الناتجة مرة أخرى إلى دهون داخل الخلايا الظهارية، ثم تنتقل عبر الجهاز اللمفاوي إلى الدورة الدموية بمساعدة بروتينات ناقلة.
تعتبر عملية امتصاص الدهون فعالة جدًا لدى الأطفال والبالغين، حيث يتم امتصاص حوالي 95% من الدهون التي تدخل الجسم، وتكون هذه النسبة أقل لدى الرضع في الأشهر الأولى من العمر.
قد ينجم سوء امتصاص الدهون عن نقص في إحدى المواد المشاركة في هذه العملية:
نقص إنزيمات الليباز والكوليباز، نقص أملاح المرارة بسبب أمراض الكبد، انسداد قنوات المرارة أو خلل في امتصاص أملاح المرارة، ضرر في الغشاء المخاطي للأمعاء أو خلل في أداء الخلايا الظهارية. انعدام الامتصاص التام للدهون حالة نادرة جدًا، وغالبًا ما يرتبط بسوء امتصاص عناصر غذائية أخرى.
البراز الدهني (Steatorrhea) يدل على سوء امتصاص شديد للدهون، حيث تظهر في البراز حوالي 50% من الدهون المتناولة، ويحدث غالبًا بسبب نقص إنزيمات البنكرياس، وبشكل أقل في أمراض الأمعاء.
الكربوهيدرات (النشويات) (Carbohydrates)
إنزيمات الأميليز التي تفرزها الغدد اللعابية والبنكرياس تهضم النشويات. يكتمل الهضم والامتصاص على سطح الخلايا الظهارية بواسطة إنزيمات الحواف الفرشاتية: سوكراز (Sucrase)، إيزومالتوز (Isomaltose)، جلوكوأميلاز (Glucoamylase)، ولاكتاز (Lactase). يحتاج نقل السكريات المهضومة إلى داخل الخلايا إلى بروتينات ناقلة وطاقة وصوديوم، حيث تلعب التغيرات الكهروكيميائية دورًا مهمًا في الامتصاص.
قد يقتصر سوء امتصاص النشويات على أنواع محددة منها، وقد يكون خلقيًا أو مكتسبًا. يمكن أن يسببه قصور البنكرياس، نقص إنزيماته، أو نقص البروتينات الناقلة.
الأعراض الرئيسية لسوء امتصاص النشويات هي انتفاخ البطن وإسهال مائي حمضي تتناسب شدته مع كمية النشويات المتناولة. يؤدي الامتناع عن تناول النشويات إلى توقف الإسهال.
البروتينات (Proteins)
تُهضم البروتينات بواسطة إنزيمات البنكرياس (البيبستيداز والبروتياز) وإنزيمات الخلايا الظهارية.
تبدأ عملية هضم البروتينات في المعدة، وتستكملها إنزيمات البنكرياس (التريبسين، الكيموتريبسين، والإيلاستاز).
قد ينتج سوء امتصاص البروتينات عن خلل بنكرياسي أو في الخلايا الظهارية. غالبًا ما يكون جزءًا من سوء امتصاص عام للعناصر الغذائية الأخرى. تشمل علاماته إسهالًا كريه الرائحة، نقص الألبومين في الدم، والوذمة (الانتفاخات).
سوء الامتصاص وسوء التغذية (Malabsorption and Malnutrition)
يؤدي سوء الامتصاص إلى تغيرات غذائية متعددة. تظهر أعراضه مبكرًا لدى الرضع والأطفال الصغار، بينما قد يتأخر ظهورها لدى البالغين.
ترتبط التغيرات المرضية بشدة سوء الامتصاص والقدرة على تعويض النقص بالتغذية والمكملات.
لدى الأطفال، يُعد تباطؤ زيادة الوزن وتأخر النمو من العلامات البارزة. النزف، هشاشة العظام، فقر الدم، والاضطرابات العصبية قد تصاحب أنواعًا محددة من سوء التغذية.
أعراض سوء الامتصاص
تشمل الأعراض التي تستدعي التحري عن سوء الامتصاص ما يلي:
يستشير معظم المرضى الطبيب بسبب الإسهال المزمن (الذي يستمر لأكثر من 14 يوماً).
من الأسباب الأخرى للاستشارة الطبية نقص الوزن واضطرابات النمو لدى الأطفال، والضعف العام وفقر الدم في جميع الأعمار.
تشخيص سوء الامتصاص
يخضع المريض المشتبه بإصابته بسوء الامتصاص لعدة فحوصات مقسمة على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى
فحص أولي يتضمن اختبارات للكشف عن نقص العناصر الغذائية. يشمل هذا الاستقصاء الطبي:
- معادلة خلايا الدم (Complete blood count).
- فحص العناصر البيوكيميائية في مصل الدم، مثل مستويات البروتينات والزلال، الكوليسترول، الكالسيوم، الحديد، الفيتامينات (حمض الفوليك، فيتامين B12، فيتامين A)، والبروثرومبين (كمؤشر لمستوى فيتامين K).
المرحلة الثانية
في هذه المرحلة، يُجرى بحث عن الحالة المرضية المحددة. قد يشمل ذلك فحص وظائف الكبد، الغلوبينات المناعية، الأجسام المضادة للغليادين، ناقلات الغلوتامين، ومضادات غمد الليف العضلي (لتشخيص مرض السيلياك)، اختبار التعرق أو الاختبار الجيني لتشخيص التليف الكيسي (CF)، اختبارات التنفس ونفث الهيدروجين لتشخيص سوء امتصاص السكريات، بالإضافة إلى جمع عينات البراز لقياس مستويات الدهون.
المرحلة الثالثة
في هذه المرحلة، تُجرى فحوصات باضعة. يمكن أخذ خزعة من الغشاء المخاطي للأمعاء الدقيقة بالتنظير الداخلي (Endoscopy) وفحصها مجهريًا. كما يمكن شفط سائل الأمعاء لفحص الطفيليات، البكتيريا، ومستويات إنزيمات البنكرياس.
علاج سوء الامتصاص
تشمل أهداف علاج سوء الامتصاص ما يأتي:
- تعويض النواقص الغذائية التي تم اكتشافها خلال الفحوصات.
- معالجة السبب الأساسي المسبب لسوء الامتصاص قدر الإمكان.
نظرًا لاكتشاف نواقص متعددة في معظم حالات سوء الامتصاص، يجب إجراء تقييم شامل وتعويض هذه النواقص بالأدوية المناسبة أو الأغذية المدعمة.
يمكن أن يؤدي علاج السبب الأساسي إلى الشفاء التام أو على الأقل تخفيف حدة سوء الامتصاص.